|
الحياة في الجبال
بنظرة تحلق في الأفق الممتد
تكشف
عن جبال تكسوها
السحب أرديتها الشفافة البيضاء
و
حياة إنسان في قرى متوارية خلف القمم الشاهقة
بعيدا عن صخب المدينة
سلطنة عمان بتضاريسها المختلفة و تنوع معالمها السطحية
إحدى
أكثر الدول إثارة و تشويقا من الناحية الجيولوجية
تضاريس ثرية متنوعة ، تشكل الجبال أهم هذه الملامح روعة و
إثارة و إبداعا
تعكس
جبال عمان تاريخها الجيولوجي الطويل و ما طرأ عليه من
تغيير و اختلاف على مدى العصور حتى اكتسبت طابعا خاصا بها
تمتد سلسلة جبال الحجر من أقصى شمال عمان حيث قمم جبال
مسندم حتى رأس الحد بطول 700 كم يتوسطها الجزء الرئيس من
الجبل الأخضر الذي يبلغ ارتفاع أعلى قمة فيه أكثر من 3
آلاف متر .
هذه
الجبال رغم قساوتها تنبض بالحياة فعلى سفوح هذه الجبال
أقام السكان حياتهم بالزراعة و الرعي و نحتوا الجبال بيوتا
من الحجارة .
بالعزم و الإبداع أقام السكان هنا لأنفسهم حياة خاصة في
أكناف الجبال و تأقلموا مع هذه البيئة القاسية .
فمن
الارتفاعات الشاهقة للجبال تبدو القرى الجبلية بروعتها و
هي تتدلى في الأسفل حياة ضاربة في القدم تعود سكانها على
الصبر و الجلد .
ملامح الوجوه الجبلية المعبرة المشحونة بالحياة تتحدث عن
الخبرات الإنسانية المتوارثة في جبال عمان
من
واقع هذه المجتمعات يمكن قياس مدى تأقلم سكان الجبال مع
البيئة الطبيعية و تسخير مصادر هذه البيئة لصالحهم و
التعايش معها .
إن
هذه القرى تمكنت من المحافظة على هويتها الأصلية بعيدا عن
التأثيرات المدنية .
.
اليوم يمكننا مشاهدة آثار حضارة تمتد لخمسة آلاف سنة في
جبال عمان و من الواضح أنها كانت حضارة نشطة بسبب تجارة
النحاس المستخرجة من الجبال المحيطة إضافة إلى الزراعة .
و
تظهر صورة تلك المجتمعات أنها كانت مجتمعات قروية مستقرة و
مزدهرة عاشت في الأغلب على ضفاف الأودية و اعتمدت على
الزراعة و رعي قطعان الماعز .
تظهر
براعة سكان الجبال القدامى في البناء و العمارة واضحة
جليلة في أبراج المدافن الدائرية التي شيدوها فوق و على
حواف الجبال منذ الألف الثالثة قبل الميلاد .
يدل
أسلوب بناء هذه الأبراج على تقنية عالية تتمثل في انتظام
رص الصخور حيث هذبت الصخور يدويا و نحتت باستخدام الأزاميل
و وفرت طريقة رص و تشابك الحجارة قوة كافية لتثبيت المبنى
بأكمله .
بين
هذه الجبال و الجروف الصخرية تبدو الحياة قاسية الملامح
حادة المزاج إلا أن إرادة و تصميم سكان الجبال و على أجيال
متعاقبة في استغلال التربة الصالحة للزراعة على المنحدرات
و إيجاد مجتمع زراعي مستقر يؤمن لسكانه الشروط الضرورية
للحياة على هذه السفوح الجبلية .
تتجلى هذه الإرادة و المهارة في القرى و المزارع المنتشرة
في أعالي الجبال تنبض بالحياة و تجود رغم محدوديتها بزراعة
الفواكه و الخضار في لوحة بديعة من جمال الخضرة التي
ينطقها اللون البني للجبال المحيطة .
تمتد
المزارع في القرى الجبلية لتغطي كل شبر صالح للزراعة و لا
يزال السكان يحرصون على زراعتها بالمحاصيل الموسمية .
مما يزيد من جمال القرى الجبلية الحركة اليومية لسكان
الجبال و هم يباشرون أعمالهم بين الحقول الزراعية فمن
تقاسيم وجوههم تظهر عزيمتهم التي سخروها للحفاظ على هذه
الأرض و من همم نشاطهم نعايش اليوم أحد أجمل المدرجات التي
خلدوها .
القمح أهم و أقدم المحاصيل الزراعية التي عرفها الإنسان .
تعد
زراعة و حصاد القمح من المواسم المرتبطة بالكثير من
العادات المتوارثة التي يمكن مشاهدتها اليوم في القرى
الجبلية .
إن
اعتدال درجة الحرارة و توفر المياه من الخصائص التي ساعدت
على تنوع المحاصيل الزراعية و الأشجار المثمرة في المساحات
القليلة المنتشرة بين الجبال
منظر
الأصيل و انحدار الشمس إلى مغربها أبدع منظر يمكن مشاهدته
في أعالي الجبال .
بعدها تنام القرية و تغط في صمت عميق .
مع
اشراقة الفجر في أفق الجبال يبدأ يوم جديد حتى إذا برزت
الشمس من خدرها و مسحت جبين الطبيعة بأشعتها الذهبية دبت
الحياة في الجبال .
اليوم أصبح منظر مشاهدة الأطفال و هم ذاهبون إلى المدرسة
في الجبال بكل شوق و براءة منظرا مألوفا بعد أن فتحت
الحكومة المدارس في هذه التجمعات السكانية من خلال
سياسة نشر التعليم بين أبناء سكان الجبال بما يتلاءم مع
واقع البيئة و المجتمع.
أثر
جمال الفطرة تحت السماء الصافية و فوق الأرض الندية هنا
على نمو الأطفال و ترعرعهم و نظرة وجوههم و حلاوة ملامحهم
الجبلية .
مع
التعليم النظامي في الجبال تم افتتاح مراكز لمحو الأمية و
تعليم الكبار لمن فاتتهم فرصة التعليم .
حتى
تشارك المرأة كأم و زوجة و ربة بيت في مجتمعها المحلي و
تتزود بالمعارف الضرورية و الخبرات المهنية .
أخيرا انتهى اليوم المدرسي و على الأطفال أن يشقوا طريقهم
مشيا على الأقدام ليصلوا إلى منازلهم الجبلية ليكملوا
يومهم مع حياة القرية .
على
غير موعد تتعرض الجبال لعواصف و أمطار غزيرة حيث تمتلئ
الأودية و تتدفق كالأنهار .
بهطول المطر ينتشر الخصب و النماء في الجبال .
و تتغير مظاهر الحياة حيث تبدو الأرض مزدهرة
بظهور الأعشاب و النباتات الرعوية التي سرعان ما تملأ
المكان .
الأمطار لها أهميتها البالغة لحياة سكان الجبال لأنها تسهم
في تحسين نوعية حياة السكان فالأمطار توفر لقطعان الماشية
مساحات من المراعي الطبيعية و الشجيرات الرعوية النادرة.
من
المألوف هنا أن يخرج الرعاة للرعي حتى ينتصف النهار بعضهم
يخرج حتى الغروب. هنا أي صوت يصدر عن قطعان الماشية تتلقفه
الجبال ليتردد صداه عاليا في رحلة صعبة إلى منحدرات خطيرة
بحثا عن العشب.
هنا
أنظمة تقليدية لإدارة المراعي قام بتطويرها سكان الجبال
عبر مئات السنين لعل أهم هذه الأنظمة هو نظام المحمية و هي
مناطق محددة يمنع دخول حيوانات الرعي إليها مما يساعد على
إتاحة الفرصة لنمو الكلأ بعد سقوط الأمطار خاصة في فصل
الربيع و معظم المحميات تقع في الجبل الأخضر و تمتاز
بقوانين صارمة تحكمها .
و من
العقوبات الرادعة لهذه المراعي فإنه في حالة تسلل الخراف و
الماعز إلى داخل حدود المحمية يتم تغريم صاحبها بدفع مقدار
معين من المال ثم يذبح الحيوان و يفرق لحمه على أهالي
المنطقة .
إن
الأنظمة التقليدية البسيطة هذه تضمن استمرار توفير الغذاء
للماشية و تحفظ العديد من النباتات البرية.
يعود
ذلك لتوفر مساحات واسعة من المراعي البرية التي تنمو فيها
أعشاب و أشجار و شجيرات تشكل قاعدة علفية جيدة ، تنتشر
زرائب الرعاة في مناطق متفرقة من السفوح الجبلية وقد
استفاد الرعاة من الكهوف و المغارات المنتشرة في إقامة
زرائب مناسبة لقطعانهم .
تمتاز هذه السلالات من الماعز بالشعر الطويل و الألوان
المتعددة لذا ارتبطت حرفة النسيج في الجبال بحرفة تربية
يولي سكان الجبال الكثير من العناية و الاهتمام بقطعان
الأغنام.
فمن
صوفها الناعم يتم غزل و نسج أجمل القطع الفنية و الأشغال
المنتجة في الجبال تتم بمهارة فائقة.
لا
مكان للفراغ لدى سكان الجبال . يتم غزل الشعر و جعله في
شكل خيوط ليكون جاهزا لعملية النسيج .
حيث
تستخدم هذه المغازل التقليدية خاصة المغزل المعلق. و يتم
تجميع الغزل في شكل كرات .
رؤية
المغزل في أيدي السكان بات أمرا مألوفا هنا للمتجول في
المنطقة . و قد تم حفظ أسرار هذه الحرفة عن طريق الخبرات و
المهارات المتوارثة.
فما
تنتجه الأنامل العاملة في النسيج فوق هذه المرتفعات يعد من
أفضل الأنواع لكونه نتاج الخامات المحلية في الجبال.
تتدفق المياه من العيون الموجودة في أعالي الجبال تنساب
بانحدارها الجبلي في قنوات مشكلة أحواضا و شلالات صغيرة
تسر العين لمنظرها.
حيث
يتم شق القنوات المائية وسط المنحدرات لتنحدر المياه في
قناة متعرجة و من ثم يتم تجميعه في حوض مائي كبير ليستغل
بعدها في ري المزروعات التي تتوزع على المدرجات و
التقسيمات الزراعية.
بعد
أن شقت الحكومة الكثير من الطرق في القرى الجبلية أصبح
الوصول إليها سهلا إلا أن الوسائل التقليدية في التنقل بين
المنحدرات الشديدة ما تزال تعتمد على الدواب في إيصال
المؤن إلى الأماكن التي يتعذر الوصول إليها بالسيارات.
مع
تفتح زهور النباتات الجبلية ينشط نحل العسل الذي يقوم بجمع
الرحيق من الأزهار فالعسل في الجبال مميز في مذاقه و جودته
لخصوصية مراعي النحل من أشجار الجبل الطبيعية المنتشرة.
في
القرى الجبلية نحالون يتمتعون بمهارة فائقة في رعاية خلايا
النحل فقد عرفوا سلوك النحل و أساليب تربيته و استئناسه.
يعيش
في جبال عمان نوعين من أنواع النحل الأربع الموجودة في
العالم. حيث تطورت عبر القرون مهارات كبيرة لدى سكان
الجبال في تربية نحل العسل .
فالسكان هنا يربون خلايا النحل في جذوع النخيل المجوفة تسد
بواباتها بألواح صخرية دائرية مستخدمين مزيجا من الرماد و
الطين لسد الفتحات عدا فجوة في الأسفل تترك لدخول النحل و
خروجه من الخلية.
يتم
جمع العسل مرتين في السنة بعد إزهار أشجار السدر في بداية
الشتاء و إزهار أشجار السمر في الصيف .
طور
النحالون في الجبال على مدى السنين أساليب خاصة للاستفادة
من النحل البري الذي يبحثون عن أماكن تواجده في الكهوف و
الأشجار و نقله بأسلوب خاص مع القرص إلى مكان يتوافر فيه
الظل و الحماية.
النحلة الصغيرة تبني أعشاش مكشوفة تتكون من قرص واحد في
كهوف الجبال و فرع الأشجار يقوم النحالون بنقله إلى مكان
تم بناؤه خصيصا لهذا النوع من النحل البري.
تنمو
في البيئة الجبلية العديد من الأشجار و النباتات الطبيعية.
لقد تكيفت هذه الشجار مع البيئة القاسية في الجبال عبر
آلاف السنين أصبح بإمكان هذه الأشجار أن تقاوم الجفاف و
تمثل جزءً من الأنظمة الحياتية الطبيعية التي مكنت الإنسان
أن يعيش هنا لما توفره من الغذاء للحيوانات و استخدام
أخشابها كوقود و في بناء المنازل .
أشجار الجبل تنمو في المناطق المرتفعة منها أشجار الزيتون
البري الذي يعرف محليا بالعتم و هي أشجار دائمة الخضرة
متوسطة الحجم ترعى الماعز على أوراقها و أغصانها الصغيرة .
شجرة
العلعلان و هي من الفصيلة الصنوبرية أوراقها مدببة و لها
رائحة طيبة زكية يصل ارتفاع شجرة العلعلان إلى عشرين مترا
و هي أشجار كبيرة معمرة ذات أشكال قبابية و هرمية .
البوت شجرة واسعة الانتشار في الجبال العمانية أوراقها
صغيرة تتجمع أزهاره البيضاء في عناقيد متقاربة أما ثمار
البوت تشبه حبات الخرز مائلة للسواد صالحة للأكل تجمع
ثمارها و تباع في الأسواق .
نبات
الزعتر الجبلي برائحته النفاذة الزكية هي نبته كثيفة
الأغصان و الأوراق تنمو و تزدهر بعد سقوط الأمطار .
يقطع
سكان الجبال أغصان الزعتر من الأعلى بحيث لا تتأثر جذور
الشجرة . و تتم عملية القطع برفق و بطريقة سليمة .
و
الزعتر من النباتات ذات الفوائد الطبية و يستخدم في
الأدوية و العلاجات المحلية .
الورد من المحاصيل الهامة في قرى الجبل الخضر يقوم
المزارعون هنا بزراعة شجيرات الورد على مصاطب الجبل و تعد
صناعة ماء الورد و استخلاص زيوت بعض النباتات من الحرف
الاقتصادية في الجبل الأخضر.
تعتمد الزراعة هنا على بناء المدرجات و تكوين الحقول
الزراعية الصغيرة . لأن الانحدارات شديدة و لا تتوافر
مناطق سهلية كافية لتشكيل سهول زراعية واسعة .
مما
فرض على سكان الجبال إلى ضرورة إقامة المدرجات بشكل يتوافق
مع الإمكانات المتاحة لتوفر التربة الزراعية بغض النظر عن
درجة الانحدار السائدة و هذا يشعرك بقوة الإرادة عند
المزارع في بيئة جبلية قاسية .
يظهر
التداخل و التناسق الجمالي في توزع و بناء المنازل الحجرية
المطلة على منظر المدرجات الزراعية مدى دقة و هندسة
التصميم المعماري و الجمع بينها. في هذه القرى يمكن معايشة
تفاصيل الحياة اليومية وحركة الناس المحتفظة بالكثير من
عبق الأصالة.
العمارة في هذه القرى تظهر بجلاء الأساليب و الوسائل التي
اتبعها سكان الجبال في الاستفادة من المصادر التي أتاحتها
لهم البيئة الطبيعية من صخور الجبال و أخشاب الأشجار في
البناء و توظيف مهاراتهم و خيالهم الخصب في أشكال معمارية
تتناغم مع بيئتهم الطبيعية .
أصبحت هذه العمارة بمثابة الذاكرة الحية لأسلوب العمارة في
الجبال العمانية قبل أن تؤثر عليها المتغيرات العصرية
الجديدة .
تتميز هذه الأبنية المعمارية بجدرانها السميكة المصنوعة من
الحجارة و الطين بحيث تصبح عازلة لقيظ الصيف و برد الشتاء
أنماط معمارية تمتاز بالبساطة الساحرة الضاربة في أعماق
التاريخ و الانسجام المتفرد مع البيئة.
منذ
سنوات قليلة كان الوصول إلى القرى الجبلية شاقا و عسيرا
أما اليوم فإن الطرق التي شقت على جانبي الجبال تتدرج في
الارتفاع حتى تبلغ أعالي هذه القرى .
يستطيع المتجول بسيارته اليوم أن يستمتع بالمناظر الموجودة
على الممرات الجبلية حيث الأخاديد و الجروف شديدة الانحدار
.
تتوزع القرى في هذه المنحدرات الجبلية و قد كان الوصول
إليها يقتصر سابقا على الطائرة المروحية أو بواسطة الدواب
أو مشيا على الأقدام .
لقد
سارت عجلة التنمية و التطور في عمان بصورة سريعة من بداية
النهضة الحديثة شأنها في ذلك شأن بقية دول العالم
و قد
غير هذا التطور الاجتماعي و المادي بدرجات متفاوتة نسق
العادات و طرق ممارستها
و
لكن حياة سكان الجبال في عمان تقوم على تقاليد و ممارسات
ضاربة في القدم في تاريخ عمان.
و
تبقى هذه البيئة الجبلية محتفظة بجماليتها و خصائصها مع
سمات التغير و التنمية الشاملة و التقدم و التحديث التي
تشهدها عمان في جميع مناطق السلطنة. |