|
تاريخ
النقود في عمان
في مثل هذا اليوم من عام مائتين وستة وعشرين هجرية،
الموافق ثمانمائة وأربعين ميلادية؛ توفي في عمان؛ الإمام
عبدالملك بن حميد، وولي الإمامة من بعده؛ المهنا بن جيفر.
في إحدى ليالي ذلك العام؛ كان هناك ثري عماني يضع في
الخفاء؛ آخر قطعة نقود يملكها؛ داخل جرة فخارية.
لا شك أن هذا الكنز؛ مثل صدمة كبرى للورثة، الذين لم
يعرفوا أبدا مكان الجرة المدفونة.
بعد حوالي أحد عشر قرنا من الزمان؛ أصبح كنز ذلك الثري
الذي مات قبل أن يرشد أحدا إلى مكانه؛ دليلا ماديا وعلميا
هاما، سيقودنا إلى إعادة ترتيب الأحداث؛ حسب التاريخ
المدون على النقود المتداولة.
كانت هذه الأطلال فيما مضى؛ حارات مزدهرة، تشكل حواضر
المدن العمانية المبنية على طراز العمارة الطينية، تتجاور
فيها قصور الأثرياء ببيوت الحرفيين.
يتوزع سكان عمان بين بيئتين تقليديتين، الجبلية بسفوحها،
وهي الأوسع انتشارا، ويعتمد اقتصادها على الزراعة والإنتاج
الحيواني. والثانية؛ المناطق الساحلية المعتمدة على الصيد
والتجارة.
نشطت أسواق المراكز الرئيسية، وبرزت الحاجة لإنتاج صناعات
مثل الغزل والنسيج والأواني الفخارية والدباغة. وتبادل
السكان إنتاجهم الاقتصادي بفضل نظام المقايضة، إذ لم تكن
النقود شائعة الاستخدام بين الناس، إلا أنه بالتأكيد؛ تم
جمع النقود المعدنية من أجل ادخارها أو استعمالها في
التجارة، خاصة في مدن الموانئ.
معظم الكنوز المكتشفة حتى الآن؛ تم العثور عليها مخبأة في
جرار فخارية داخل جدران المنازل أو تحت الأرض في مثل هذه
الحارات، ولا نعلم سببا لذلك، وإن كانت الحكايات المتداولة
تشير إلى أن إخفاء النقود؛ يعتبر احتياطا أمنيا، لئلا
يستحوذ عليها الغزاة في زمن كانت الحروب والغزوات القبلية
تنشأ من مستصغر الشرر.
هنا في متحف البنك المركزي العماني؛ نجد سجلا كاملا
للمكتشفات الأثرية النقدية، وفي الواجهة؛ نتعرف على أول
عملة نقدية تم سكها في تاريخ الجزيرة العربية، إنها تحمل
اسم دار الضرب: عمان.
هذه القطعة اليتيمة؛ تمثل درهما فضيا يعود لعهد الخليفة
الأموي عبد الملك بن مروان، وتاريخ الضرب عام واحد وثمانين
هجرية، وقد تم التعرف أيضا؛ على درهمين فضيين آخرين ضربا
في عمان عام تسعين هجرية.
يظهر أن دور الضرب العمانية لم تنتج سوى عدد قليل من
الدراهم الفضية الأموية، كان الغرض منها محاولة تأكيد
سيطرة الخليفة على المنطقة، وكوسيلة لدفع الضرائب.
كان الدرهم الفضي المعرب؛ يتبع العرف الساساني في ضرب
النقود، حيث ينقش اسم الولاية أو المدينة التي سكت فيها
الدراهم، فقد كانت النقود الساسانية والبيزنطية عملة سائدة
الاستخدام منذ ما قبل الإسلام. أما الدولة الأموية فقد
تأخرت في سك النقود باسمها إلى العام سبعة وسبعين هجرية؛
عندما بدأت ضرب الدينار الذهبي دون إشارة لمكان الضرب وهو
دمشق.
لم يقم الأمويون أو العباسيون بأية محاولة جادة لفرض
سيطرتهم على عمان طوال الجزء الأكبر من القرن الثاني
الهجري. وبالمقابل؛ لم تتبن الدولة العمانية آنذاك إصدار
عملة خاصة بها. ولا توجد حتى الآن إلا عملة واحدة تعود
لتلك الفترة؛ وهي فلس نحاسي تم سكه في صحار عام مائة وواحد
وأربعين هجرية.
وهي المرة الأولى التي يرد فيها اسم هذا الميناء
الشهير على عملة معدنية.
يلخص لنا كنز ذلك الثري الذي عرف بكنز سناو؛ نوع العملات
التي تم تداولها في عمان؛ خلال الربع الأول من القرن
الثالث الهجري. تضم محتويات الكنز أكثر من تسعمائة قطعة
نقدية فضية، ساسانية وإسلامية قديمة. شكلت الدراهم الأموية
أكثر من ثلث العدد الإجمالي للكنز، بينما شكلت النقود
العباسية ما يقارب الثلثين. ونظرا لقدم العملات؛ وصغر حجم
النقوش؛ فإن المأثورات غير واضحة في الصور إلا للمختصين
وباستخدام أدوات مكبرة.
المثير في هذا الاكتشاف؛ وجود قطعتين فضيتين خفيفتا الوزن،
لا تحملان أسماء دور الضرب أو التواريخ، ولم يتم العثور
على ما يشبههما في أي مكان آخر. لذا، يرجح الخبراء أنهما
من مجموعة للتداول المحلي تم سكها بأمر الإمام غسان بن
عبدالله أو خلفه عبدالملك بن حميد، المتوفى عام مائتين
وستة وعشرين هجرية، أي في السنة التي وضعت فيها آخر قطعة
داخل كنز سناو.
شهدت عمان في عهدي هذين الإمامين فترة سلام ورخاء، وقد
امتد الازدهار بعدهما إلى نهاية إمامة الصلت بن مالك في
العام مائتين واثنين وسبعين هجرية، لتدخل البلاد بعده في
حالة من الاضطراب، مهدت طريق العباسيين لبسط نفوذهم على
عمان، وتحديدا صحار.
كانت صحار؛ حاضرة عمانِ الاقتصادية. تتكدس في أسواقها تمور
البصرة وحرير الصين وأقمشة الهند وتوابلها، وكانت السفن
العمانية تجوب البحار إلى السند وشرق أفريقيا أيضا.
بدأت سيطرة العباسيين الفعلية على عمان؛ مع حملة محمد بن
نور عام مائتين وثمانين هجرية؛ لتثبيت أسرة سامة بن لؤي
العمانية في الحكم. وفي بهلاء؛ تم تعيين أحمد بن هلال
واليا على عمان، ويظهر أنه قد جاء مع الحملة من بغداد، إذ
كان يعمل كاتبا في ديوان البلاط العباسي. لكن أحمد بن
هلال، الذي يرجح بعض الدارسين، أصوله إلى عمان؛ سرعان ما
سينقل سلطاته إلى صحار، باعتبارها الميناء الرئيسي والوحيد
الذي ُتحَصل فيه ضريبة السفن القادمة إلى عمان.
يوجد درهم على الطراز العباسي مضروب في عمان؛ وجد ضمن
مكتشفات أثرية؛ يعود للعام مائتين وتسعين هجرية، نقش عليه
اسم الخليفة المكتفي، وتحته اسم أحمد، ويرجح أنه أحمد بن
هلال، الذي سيتكرر نقش اسمه خاصة فيما بين العام ثلاثمائة؛
وخمسة هجرية. لكن فترة حكمه؛ ستشهد أيضا عملات تحمل اسم
طاهر بن محمد ومن ثم سبكري، اللذين توليا إقليم فارس، ما
يعني أن نقش اسميهما على عملات مضروبة في عمان؛ إنما
لتأكيد سيطرة العامل العباسي على إقليم فارس وعمان.
في صدفة غريبة؛ وغير متوقعه؛ ستعثر هذه المرأة على آنية من
الحجر الصابوني فوق جبل بولاية ينقل. تحتوي الآنية على كنز
يضم كمية كبيرة من الدراهم الفضية، بعضها نادر جدا.
أقدم قطعة في الكنز؛ درهم ساساني عربي يحمل اسم الحجاج بن
يوسف الثقفي، سك عام ستة وسبعين هجرية، وأحدث قطعة فيه؛
درهم عباسي يعود للخليفة المقتدر ، مضروب بالبصرة عام
ثلاثمائة وأربعة عشر هجرية.
من أهم العملات النادرة في هذا الكنز؛ درهم مضروب في عمان
باسم والي صحار أحمد بن هلال عام ثلاثمائة وواحد هجرية.
وبهذا؛ سد الدرهم ثغرة في تسلسل ولايته خلال السنوات الخمس
الأولى من بداية القرن الرابع.
كشف الكنز أيضا؛ عن درهمين آخرين ضربا في عمان، الأول يحمل
اسم عبدالحليم بن إبراهيم، وقد ضرب عام ثلاثمائة وثلاثة
عشر هجرية، بينما ضرب الثاني؛ عام ثلاثمائة وستة عشر
هجرية، ويحمل اسم أحمد بن هلال.
سببت هاتان القطعتان ارتباكا لدى الدارسين، فهل تمت تنحية
أحمد بن هلال وإعادته مرة أخرى؟ ولماذا؟
المصادر المدونة لا تمدنا بالتعليل، فاسم عبدالحليم بن
إبراهيم ما زال مجهول الهوية، مثلما صمت المؤرخون
العمانيون عن سيرة أحمد بن هلال.
في القرن الرابع الهجري؛ نشطت دار الضرب العمانية بفضل
سلالة بني وجيه. فقد عين العباسيون يوسف بن وجيه واليا على
عمان، وظهر اسمه لأول مرة على المسكوكات؛ عام ثلاثمائة
وسبعة عشر هجرية.
ينحدر يوسف بن وجيه من أسرة سامة بن لؤي، وهو ابن أخت أحمد
بن هلال. وقد استمر نقش اسمه وأبنائه من بعده على وجه
العملات، بينما كان الظهر يحمل أسماء الخلفاء العباسيين؛
باعتباره واليا لهم على عمان، لكن نفوذ الوجيهيين اقتصر
فقط على صحار والسواحل المرتبطة بها، فقد استطاع الإمام
سعيد بن عبدالله بن محبوب الرحيل، أن يسترد باقي المدن
العمانية من الوجيهيين.
بحسب المكتشفات النقدية؛ يوجد دينار يعود للقرامطة، يحمل
اسم علي بن أحمد مضروب في عمان عام ثلاثمائة وخمسة وخمسين
هجرية، ما يعني انهيار دولة بني وجيه في هذه الفترة.
حاول القرامطة الاستيلاء على عمان؛ عدة مرات، إلا أن
محاولاتهم لم تصل حد السيطرة التامة، إذ سرعان ما يتم
طردهم أكان ذلك بفعل التواجد العباسي أو بفضل التوافق
العماني. إن قلة المتوفر من النقود المضروبة في عمان باسم
القرامطة؛ يعود بالتأكيد؛ لضعف تواجدهم في صحار حيث مقر
دار الضرب، ولعل أكبر امتداد لنفوذهم في عمان؛ لم يتم إلا
بعد تحالفهم مع معز الدولة البويهي، الذي آلت إليه أمور
الدولة العباسية.
استمر سك النقود في عمان باسم البويهيين منذ العام
ثلاثمائة واثنتين وستين هجرية إلى بدايات القرن الخامس
الهجري، كانت مأثورات وجه العملة تحمل اسم ركن الدولة،
وأسماء الخليفة ووالي البويهيين في بلاد فارس ووالي عمان؛
وكان العمانيون خلال تلك الفترة لا يهدؤون عن مناوشتهم،
إلا أن الخلاف الداخلي ظل متواصلا أيضا. وأمام هذا الوضع؛
استنجدت أسرة بني مكرم بالبويهيين لمساندتهم في انتزاع
السلطة من الأئمة الفعليين.
أبقى الحسين بن مكرم ضرب النقود على النمط البويهي بداية
عهده، ومنذ العام أربعمائة وعشرة؛ أضاف في أعلى الدنانير
كلمة ( مكرم ) تأكيدا لاستقلاليته. لقد لعب بنو مكرم دورا
بارزا في تاريخ عمان خلال الثلث الأول من القرن الخامس
الهجري، حيث ازدهرت حركة التجارة في عمان، وحلت صحار محل
سيراف بعد دمارها.
عندما قام المؤرخ العماني سيف البطاشي بترميم بعض الوقائع
والتواريخ؛ اكتشف خللا في تاريخ البيعة للإمام الخليل بن
شاذان، وحددها بسنة 447 هـ، مؤكدا بذلك أن إمامته تأتي بعد
إمامة راشد بن سعيد، وليست سابقة له كما أوردته السير
العمانية. وتذكر المصادر أن هذه البيعة؛ مكنت الإمام من
إخضاع بني مكرم وإقصاء البويهيين عام أربعمائة واثنين
وأربعين هجرية، وبذلك خرجت عمان تماما من دائرة النفوذ
العباسي.
أثناء ترميم قلعة بهلا التاريخية؛ اكتشف العمال كنزا
مدفونا تحت أرضية جامع القلعة. لقد أكدت مأثورات النقود
التي يحتويها الكنز؛ صحة ما توصل إليه المؤرخ البطاشي. فقد
كشف الكنز عن درهمين فضيين، أحدهما باسم الإمام راشد بن
سعيد مضروب بعمان عام أربعمائة وأربعة وأربعين هجرية،
والآخر باسم الإمام الخليل بن شاذان مضروب عام أربعمائة
وسبعة وأربعين هجرية. وفي اكتشاف آخر هام ونادر جدا؛ وجد
درهم باسم الخليل مضروب عام أربعمائة وستة وستين هجرية.
ابراهيم يتحدث :
يتحدث مؤكدا على أن العملة المكتشفة تثبت رواية البطاشي من
حيث كون إمامة الخليل بن شاذان لاحقة لإمامة راشد بن سعيد
وليست سابقة لها.
كانت دار سك النقود الصحارية قد توقفت عندما دخلت عمان
عصر ملوك بني نبهان منتصف القرن السادس الهجري والذي استمر
قرابة خمسة قرون من الزمان؛ أهملتها المصادر التاريخية،
إلا أن القليل المدون؛ أفصح عن حجم الاضطرابات الداخلية في
عهدهم، والذي ترك الساحل العماني عرضة للصراعات الخارجية،
لكن موانئ صحار ومسقط وقلهات وصور والبليد؛ شهدت تداول
عملات أخرى ضربت في القاهرة والاسكندرية واليمن والبحرين
وجزيرة جرون التي تغير اسمها فيما بعد إلى هرمز، إضافة إلى
عملات سلاطين دلهي. بعض تلك العملات عرفت بأسماء ضاربيها
كالغازي والمحمدي، وبعضها بأسماء أماكن الضرب كالفلورين من
فلورنسا، والدوكاتية من البندقية التي كان تجارها ينقلون
بضائع الشرق من مصر إلى أوروبا، هذا على الأقل؛ ما أظهرته
الكنوز المكتشفة في عمان حتى الآن.
إذ ما زال الناس يترددون على مثل هذه الحارات القديمة
مدفوعين بنوع من الحنين لاستعادة آثار أجدادهم الذين
رحلوا، لكن هذا الرجل لم يخطر بباله يوما، أن تنتهي جولته
في حارة سعال من ولاية نزوى؛ بصدفة مدهشة.
( حديث الاكتشاف)
كان الكنز يضم أكثر من أربعمائة قطعة معدنية تعود للدولة
الصفوية، التي تأسست بداية القرن السادس عشر الميلادي، أي
نفس الفترة التي بدأت فيها سيطرة البرتغاليين على الساحل
العماني لتمتد مائة وخمسين عاما فيما بعد.
يظهر أن البرتغاليين لم يضربوا نقودهم في عمان كما فعلوا
في مستعمراتهم الهندية، وسمحوا لحلفائهم الصفويين بسك
نقودهم المعروفة باللارية، فظلت العملة الأكثر استخداما في
المنطقة خلال هذا القرن، ونجد في المصادر العمانية؛ فتاوى
للإمام ناصر بن مرشد اليعربي، يذكر فيها الدراهم اللارية.
جاء انتخاب الإمام ناصر بن مرشد عام ألف وستمائة وأربعة
وعشرين ميلادية؛ إيذانا بميلاد الدولة اليعربية وتوحد
البلاد تحت راية واحدة. وفي عهده؛ بدأت المحاولات الأولى
لإجلاء البرتغاليين عن عمان. لكن خلفه سلطان بن سيف
والأئمة من بعده؛ لم يكتفوا بالإجلاء فقط؛ بل هاجموا
البرتغاليين حتى في مستعمراتهم على طول المحيط الهندي إلى
شرق أفريقيا.
استثمرت دولة اليعاربة مكاسب انتصاراتها في شق الأفلاج
وتوسيع الرقعة الزراعية وجلب أشجار جديدة من مناطق ما وراء
البحار، وفي مجال التحصين؛ صرفوا أموالا طائلة لبناء
القلاع الضخمة كنزوى والحزم وجبرين، وبنو أسطولا بحريا
منظما ومدربا، حقق للدولة العمانية تفوقا فوق البحار
الشرقية، مما شجع شركة الهند الشرقية البريطانية والأسطول
الهولندي والفرنسي فيما بعد؛ إلى التعامل مع الدولة
العمانية باعتبارها قوة مسيطرة في الخليج وشرق أفريقيا.
عندما اكتشف البرتغاليون رأس الرجاء الصالح؛ فتحوا الطريق
أمام السفن الأوروبية للتجارة مع المنطقة، وجلب بحارتها
معهم عملات الدولار الأسباني الفضي، ودولار ماريا تريزا
النمساوي الذي عرف محليا بريال فرنس. لكن العملة الهندية
ظلت الأكثر استخداما بالتأكيد، إذ تورد المصادر العمانية
أن الإمام سلطان بن سيف صرف لكوكا من الذهب والفضة لبناء
قلعة نزوى الشهيرة، واللاك؛ وحدة حساب هندية تعادل مائة
ألف روبية. ويظهر أن هذا الحساب ظل ساريا في عمان إلى ما
بعد إمامة أحمد بن سعيد، مؤسس دولة البوسعيد عام ألف
وسبعمائة وأربعة وأربعين ميلادية، فقد سمى المؤرخ حميد
بن رزيق العملات المتداولة تلك الفترة؛ باللاك والدراهم
والفلس والمحمدي. وفي رحلة البريطاني ولستيد إلى عمان
عام ألف وثمانمائة وخمسة وثلاثين؛ ذكر أن معظم العملات
المتداولة في مدن الداخل العماني؛ قد سكت في عهد الإمام
سيف بن سلطان ، وأنها تختلف عن المتداول في مسقط ومدن
الساحل، وقدم لنا قائمة بقيمة كل منها مثل الغازي
والمحمدي والبيسة والريال.
اتسع نفوذ الدولة العمانية في عهد السلطان السيد سعيد بن
سلطان، وذلك امتدادا من المناطق الواقعة ما بين بندر عباس
على الساحل الشرقي للخليج العربي إلى ميناء زنجبار، إضافة
إلى العديد من الجزر الواقعة في مدخل الخليج العربي
والمحاذية للساحل الشرقي للخليج، وامتد النفوذ العماني في
عهده إلى جزر بحر العرب والمحيط الهندي بما فيها أرخبيل
جزر القمر. وازداد الاقتصاد العماني قوة بفضل أسطول تجاري
ضخم تسانده قوة بحرية مدربة، وانفتح التعامل التجاري على
الصين وجنوب شرق آسيا والهند، وطور السيد سعيد اقتصاديات
ممتلكاته في شرق أفريقيا إلى حد أصبحت فيه معظم واردات
الدولة العمانية تأتيها من أفريقيا، ومع ذلك، لم يتم سك
عملة وطنية في عهده، مفضلا التعامل بدولار ماريا تريزا لما
حققه من شعبية في المنطقة، وشاع أيضا؛ تداول التومان
الفارسي في موانئ مسقط وصحار للروابط الوثيقة بين عمان
وإيران.
عام ألف وثمانمائة وخمسة وثلاثين؛ أصدرت شركة الهند
الشرقية عملة موحدة للمناطق الواقعة تحت نفوذها في شبه
القارة الهندية.
تتكون فئات هذه العملة من المهر الذهبي والروبية الفضية
والآنة النحاسية التي مثلت فئة عملات صغيرة، حظيت بانتشار
واسع في كل المناطق العمانية، وأطلقت عليها تسميات محلية،
بحيث عرفت ربع الآنة بالبيسة، ونصف الآنة؛ سميت غازي، وهذا
تفضيل يعود بالتأكيد؛ لتطور العلاقات السياسية والتجارية
فيما بين عمان والهند. وفيما أصبحت الروبية هي العملة
الفعلية في مسقط؛ فضل سكان الداخل وساحل ظفار التعامل
بدولار ماريا تريزا، الذي كان متداولا حتى في زنجبار،
العاصمة الثانية للدولة العمانية في عهد السيد سعيد بن
سلطان.
صدرت أول عملة خاصة بزنجبار؛ في عهد السيد برغش بن سعيد،
وقد تم سكها في دار الضرب ببروكسل، ونقش عليها العام ألف
ومائتين وتسعة وتسعين هجرية.
بعد عامين من وفاة السيد برغش؛ أي في العام ألف وثمانمائة
وتسعين ميلادية؛ أعلنت زنجبار محمية بريطانية، وظهرت آخر
عملة لها في عهد السيد علي بن حمود، مؤرخة بالعام ألف
وتسعمائة وثمانية.
جاء إصدار العملة الزنجبارية بداية؛ بفئات متعددة، لكنه لم
يجر التداول إلا بالريال الفضي المقتبس من النظام
الأوروبي، والبيسة النحاسية، المأخوذة من النظام الهندي.
وفيما بعد؛ طبقت عمان نفس هذا الدمج النقدي.
ظهرت أول عملة تحمل اسم دار الضرب مسقط؛ في عهد السلطان
فيصل بن تركي. أقيمت دار الضرب مقابل المحكمة الشرعية، في
المبنى الذي كان يضم أيضا؛ دائرة الجوازات.
تألفت العملة من فئتين هما البيسة والغازي، ونقش على
الوجه؛ السلطان فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان إمام مسقط
وعمان، تاريخ ألف وثلاثمائة وأحد عشر هجرية.
يظهر أن دار الضرب لم تواصل عملها طويلا، فقد أغلقت عام
ألف وثمانمائة وتسعة وتسعين ميلادية، وواصل دولار ماريا
تريزا رواجه في عمان، كما ازداد الإقبال على الروبية
الهندية، إلا أنها لم تكن مطلوبة في مدن الداخل والموانئ
الصغيرة، ومع ذلك فقد ترك الدولار تأثيرات جانبية صعبة على
التجارة لخضوعه لتقلبات سوق الفضة، ولأن البيسة النحاسية
مربوطة بالدولار؛ فقد خضعت لقانون العرض والطلب، مما سبب
كثيرا من المتاعب لصغار المستهلكين.
عالج السلطان سعيد بن تيمور هذه المشكلة عام ألف وتسعمائة
وتسعة وثلاثين عندما أمر بشراء نقود معدنية من دار الضرب
في بومباي لتشكل عملة ثانوية لدولار ماريا تريزا، وبعد
عقد من الزمن؛ أمر بضرب أول عملة فضية لظفار، إلى جانب بعض
القطع الذهبية كإصدار خاص.
وفي العام ثمانية وخمسين؛ أصدر عملته الأولى المماثلة لحجم
الدولار، وهي الريال السعيدي.
في العام تسعة وستين؛ كان السلطان سعيد بن تيمور قد وصل
إلى قناعة بأن اقتصاد عمان أصبح في وضع يمكنه من الاستناد
إلى عملة وطنية موحدة، تحل محل العملات المتداولة. فأصدر
في العام التالي العملة السعيدية الجديدة على شكل أوراق
مالية ونقود معدنية؛ لاقت إقبالا واسعا في جميع أنحاء
البلاد.
عندما تولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مقاليد
الحكم في الثالث والعشرين من يوليو ألف وتسعمائة وسبعين؛
دخلت عمان عصرها الحديث، وتمكن جلالته بسداد رأيه؛ من
توجيه موارد البلاد لخدمة تطلعات التغيير الاجتماعي
والاقتصادي المعاصر.
أول إسهام وطني تحققه النقود في مسيرة عمان الحديثة؛
تخليدها أمر جلالة السلطان قابوس المعظم بسك النقود باسم
سلطنة عمان بدلا من سلطنة مسقط وعمان، مؤكدة بذلك وحدة
الدولة العمانية الذي حمل جلالته لواءها. وقد ظهر هذا
الإصدار عام واحد وسبعين.
جاءت الإصدارات النقدية التالية؛ ترجمة لتوجهات الدولة
الحديثة في التخطيط والبناء وتوسيع النمو الاقتصادي وإرساء
دولة المؤسسات، حيث ظهر الإصدار الثاني عام اثنين وسبعين؛
موقعا باسم سلطة مجلس النقد العماني بدل نقد مسقط.
عندما تم تأسيس البنك المركزي العماني عام أربعة وسبعين؛
وضع الإصدار الثالث قيد التداول؛ في الذكرى السادسة للعيد
الوطني.
إن إصدارات عمان النقدية الجديدة دائما ما تحمل رمزا
تغييريا يخدم المسيرة التنموية والاقتصادية، ويؤكد على
وحدة البلاد وقوة اقتصادها، إما بتوسيع قاعدة فئة العملات
من الريال أو البيسة؛ أو باستبدال تصاميم وأوزان تناسب
التطور الذي تشهده عمان في مسيرتها النهضوية، وبما يتلاءم
مع مستجدات سك النقود في العالم المعاصر.
|